الشنقيطي

221

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن

تعالى : في سورة « ص » قالَ يا إِبْلِيسُ ما مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِما خَلَقْتُ بِيَدَيَّ [ ص : 75 ] الآية . وقد أوضحنا زيادة لفظة « لا » وشواهد ذلك من القرآن ، ومن كلام العرب في سورة البلد . في كتابنا « دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب » والعلم عند اللّه تعالى . قوله تعالى : قالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ ( 12 ) [ 12 ] . ذكر في هذه الآية الكريمة : أن إبليس - لعنه اللّه - خلق من نار ، وعلى القول بأن إبليس هو الجان الذي هو أبو الجن . فقد زاد في مواضع أخر أوصافا للنار التي خلقه منها . من ذلك أنها نار السموم . كما في قوله : وَالْجَانَّ خَلَقْناهُ مِنْ قَبْلُ مِنْ نارِ السَّمُومِ ( 27 ) [ الحجر : 27 ] ، ومن ذلك أنها خصوص المارج . كما في قوله : وَخَلَقَ الْجَانَّ مِنْ مارِجٍ مِنْ نارٍ ( 15 ) [ الرحمن : 15 ] ، والمارج أخص من مطلق النار لأنه اللهب الذي لا دخان فيه . وسميت نار السموم : لأنها تنفذ في مسام البدن لشدة حرها . وفي صحيح مسلم عن عائشة رضي اللّه عنها مرفوعا « خلقت الملائكة من نور ، وخلق الجان من مارج من نار ، وخلق آدم مما وصف لكم » « 1 » ورواه عنها أيضا الإمام أحمد « 2 » . قوله تعالى : قالَ فَاهْبِطْ مِنْها فَما يَكُونُ لَكَ أَنْ تَتَكَبَّرَ فِيها فَاخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ الصَّاغِرِينَ ( 13 ) [ 13 ] . بين تعالى في هذه الآية الكريمة : أنه عامل إبليس اللعين بنقيض قصده حيث كان قصده التعاظم والتكبر ، فأخرجه اللّه صاغرا حقيرا ذليلا ، متصفا بنقيض ما كان يحاوله من العلو والعظمة ، وذلك في قوله : فَاخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ الصَّاغِرِينَ ( 13 ) ، والصغار : أشد الذل والهوان ، وقوله : اخْرُجْ مِنْها مَذْؤُماً مَدْحُوراً [ الأعراف : 18 ] ، ونحو ذلك من الآيات ، ويفهم من الآية أن المتكبر لا ينال ما أراد من العظمة والرفعة ، وإنما يحصل له نقيض ذلك ؛ وصرح تعالى بهذا المعنى في قوله : إِنْ فِي صُدُورِهِمْ إِلَّا كِبْرٌ ما هُمْ بِبالِغِيهِ [ غافر : 56 ] . وبين في مواضع أخر كثيرا من العواقب السيئة التي تنشأ عن الكبر - أعاذنا اللّه والمسلمين منه - فمن ذلك أنه سبب لصرف صاحبه عن فهم آيات اللّه ، والاهتداء بها كما في قوله تعالى : سَأَصْرِفُ عَنْ آياتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ [ الأعراف : 146 ] الآية . ومن ذلك أنه من أسباب الثواء في النار كما في قوله تعالى : أَ لَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوىً لِلْمُتَكَبِّرِينَ ( 60 ) [ الزمر : 60 ] ، وقوله : إِنَّهُمْ كانُوا إِذا قِيلَ لَهُمْ لا إِلهَ إِلَّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ ( 35 ) [ الصافات : 35 ] ، ومن ذلك أن صاحبه لا يحبه اللّه تعالى كما في قوله : لا

--> ( 1 ) أخرجه مسلم في الزهد والرقائق حديث 60 . ( 2 ) المسند 6 / 153 ، 168 .